وبدل أن يتّجه ملوك بني العبّاس إلى إصلاح البلاد وتنميتها الاقتصادية فقد اتّجهوا بنهم وجشع إلى اقتناء الجواري، والمغالاة في شرائها، فقد جلبت إلى بغداد الجواري الملاح من جميع أطراف الدنيا، فكان فيهنّ الحبشيات، والروميّات، والجرجيات، والشركسيات، والعربيات من مولدات المدينة والطائف واليمامة ومصر من ذوات الألسنة العذبة، والجواب الحاضر، وكان بينهنّ الغانيات اللاتي يعزفن مع ما عليهن من اللباس الفاخر وما يتّخذن من العصائب التي ينظمنها بالدرّ والجواهر، ويكتبن عليهنّ بصفائح الذهب(٤) وقد كان عند الرشيد زهاء ألفي جارية، وعند المتوكّل أربعة آلاف جارية(٥) وقد زار الرشيد في يوم فراغه البرامكة فلمّا أراد الانصراف خرجت جواريهم فاصطففن مثل العساكر صفّين صفّين، وغنين وضربن بالعود ونقرن على الدفوف إلى أن طلع مقاصير القصر(٦) وكان عند والدة جعفر البرمكي مئة وصيفة لباس كلّ

ـــــــــ

(١) الإسلام والحضارة العربية ٢ / ٢٣١.

(٢) المستطرف: ١٨٢ ـ ١٨٤.

(٣) تاريخ بغداد: ٥ / ٣٩٣.

(٤) حضارة الإسلام: ٩٨.

(٥) الأغاني: ٩ / ٨٨.

(٦) حضارة الإسلام في دار السلام: ٩٦.


 

 

واحدة منهنّ وحليّها غير لبوس الأخرى وحليّها(١) لقد كان اقتناء الجواري بهذه الكثرة من نتائج وفرة المال وكثرته عند هذه الطبقة الرأسمالية التي حارت في كيفيّة صرف ما عندها من الأموال.