١ ـ من مميّزات مدرسة الإمام الصادق عليه السلام واختلافها عن باقي المدارس أنّها لم تنغلق في المعرفة على خصوص العناصر الموالية فحسب ، وإنّما انفتحت لتضمّ طلاّب العلم من مختلف الاتّجاهات ، فهذا أبو حنيفة الذي كان يخالف منهج الإمام عليه السلام حيث سلك في القياس مسلكاً استوجب شدّة الإنكار عليه وعلى أصحابه ، وهو الذي أطلق على مؤمن الطاق اسم شيطان الطاق ، كان ممّن يختلف إلى الإمام الصادق عليه السلام ويسأله عن كثير من المسائل

ـــــــــــــــــ

(١) الحكم الجعفرية : ٦٠ .


وقد روى عن الإمام الصادق عليه السلام وحدّث عنه واتّصل به في المدينة مدّة من الزمن ، وناصر زيد بن علي وساهم في الدعوة إلى الخروج معه ، وكان يقول : ضاها خروج زيد خروج رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم يوم بدر(١) .

٢ ـ انفتحت مدرسة الإمام عليه السلام على مختلف فروع المعرفة الإسلامية والإنسانية ، فاهتمّت بالقرآن والسنّة والفقه والتأريخ والأصول والعقيدة والكلام والفلسفة الإسلامية ، كما اهتمّت بعلوم أخرى مثل : علم الفلك ، والطبّ ، والحيوان ، والنبات ، والكيمياء ، والفيزياء .

٣ ـ لم تتّخذ مدرسة الإمام طابع الانتماء إلى الدولة الأموية أو العباسية ، ولم تتلوّث بسياسة الحاكمين ولم تكن أداة لخدمة الحكّام ، بل رأت الأمة أنّ هذه المدرسة هي التي تحقّق لها تطلّعاتها ; إذ كانت ترى على رأسها وريث النبوّة وعملاق الفكر المحمّدي الإمام أبا عبد الله الصادق عليه السلام المعروف بمواقفه واستقامته حتى لقّب بالصادق لسموّ أخلاقه وعدم مساومته وخضوعه لسياسة الحكّام المنحرفين .

من هنا شكّلت مدرسته حصناً سياسياً وفكريّاً يلوذ به طلاّب الحقيقة ومَن كان يشعر بالمسؤولية ويريد التخلّص من التيه الذي خلّفته التيارات الفكرية والسياسية المتضاربة في أهدافها ومساراتها .

٤ ـ وتميّزت أيضاً جامعة الإمام الصادق عليه السلام بمنهجها السليم وعمقها الفكري ، ولم تكن أطروحتها في الإعداد العلمي مبتنية على حشو الذهن ، وإنّما كانت تعتمد الفكر والتعمّق والأصالة ونموّ الكفاءات العلمية ، وتعتبرها أُسساً مهمّة في المنهج العلمي والتربوي .

ـــــــــــــــــ

(١) حياة الإمام محمد الباقر : ١ / ٧٥ .


٥ ـ أنتجت هذه الجامعة رموزاً للعلم والتقوى والاستقامة ، وعرفت بالعطاء العلمي والديني للأمة وبما أبدعته في تخصّصاتها العلمية ، وما حققته من إنجازات على صعيد الدعوة والإصلاح بين الناس ، وأصبح الانتساب إلى مدرسة الإمامعليه‌السلام عليه‌السلام مفخرة للمنتسب ، كما ناهز عدد طلاّبها الأربعة آلاف طالب .

٦ ـ واتّسعت هذه المدرسة ـ فيما بعد ـ وشكّلت عدّة فروع لها في الكوفة ، والبصرة ، وقم ، ومصر .

٧ ـ إنّ الإمام عليه السلام لم يجعل من جامعته العلمية والجهد المبذول فيها نشاطاً منفصلاً عن حركته التغييرية وانشطته الأخرى ، بل كانت جزءاً من برنامجه الإصلاحي ؛ لأنّها كانت تساهم بحقّ في خلق المناخ المناسب لبناء الفرد الصالح ، وكانت امتداداً واعياً ومؤثّراً في المسيرة العامّة للأمة ، فضلاً عن النتائج السياسية الايجابية الخاصّة ، حيث نجد الكادر العلمي الحاضر في مدرسة الإمام عليه السلام هو نفسه الذي يحضر في نشاطات الإمام الخاصّة .

٨ ـ تميّزت مدرسة الإمام الصادق عليه السلام بالارتباط المباشر بمصادر التشريع والمعرفة وهما الكتاب الكريم والسنّة النبوية الشريفة بنحو لا مثيل له .

ومن هنا حرص الإمام الصادق عليه السلام على أن يحقّق من خلال مدرسته إنجازاً بخصوص تدوين الحديث والحفاظ على مضمونه ، بعد أن كان الحديث قد تعرّض في وقت سابق للضياع والتحريف والتوظيف السياسي المنحرف ، بسبب المنع من تدوينه ولم يستجب الأئمّة المعصومون عليهم السلام لقرار المنع بالرغم من كل الشعارات التي رُفعت لتجعل الهدف من حظر


تدوين الحديث هو الحفاظ على القرآن وسلامته من التحريف .

بينما كان الهدف البعيد من منع تدوين الحديث هو تغييب الحديث النبوي الذي كان يؤكّد ربط الأمة بأهل البيت عليهم السلام فاستهدف الحكّام صرف الناس عن أهل البيت عليهم السلام ; لأنّ الحديث حين كان يؤكّد الارتباط بهم كان يحول بينهم وبين الانسياق وراء كلّ ناعق سياسي أو حاكم جائر .

يقول الإمام الصادق عليه السلام :( أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى أحد والناس يحتاجون إلينا إنّ عندنا الكتاب بإملاء رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم ، وخطّه علي بيده صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها كل حلال وحرام ) (١) .

وجاء عنه عليه السلام أنّه قال :( علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع ، وإن عندنا الجفر الأحمر ، والجفر الأبيض ، ومصحف فاطمة عليها‌السلام وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه ) (٢) .

٩ ـ وتميّزت أيضاً مدرسة الإمام عليه السلام بالاهتمام بالتدوين بشكل عام ، بل ومدارسة العلم لإنمائه وإثرائه .

فكان عليه السلام يأمر طلاّبه بالكتابة ويؤكّد لهم ضرورة التدوين والكتابة كما تجد ذلك في قوله عليه السلام :( احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها ) (٣) .

وكان يشيّد بنشاط زرارة الحديثي إذ كان يقول :( رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي ) .

ـــــــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات : ١٤٩ .

(٢) الإرشاد : ٢/١٨٦ وعنه في مناقب آل أبي طالب : ٤/٣٩٦ ، والاحتجاج : ٢/١٣٤ ، وبحار الأنوار : ٤٧/٢٦ وزادوا فيه : فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال : أمّا الغابر فالعلم بما يكون .

(٣) الكافي : ١ / ٥٢ .


وقال فيه وفي جماعة من أصحابه منهم أبو بصير ، ومحمد بن مسلم ، وبريد العجلي :( لولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا الفقه ، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي عليه السلام على حلاله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والآخرة ) (١) .

وكان يأمر طلاّبه أيضاً بالتدارس والمباحثة فقد قال للمفضّل بن عمر :( اكتب وبثّ علمك في إخوانك ، فإنْ متّ فأورث كتبك بنيك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم ) (٢) .

وعلى هذا الأساس اهتمّ أصحابه بكتابة الأحاديث وتدوينها حتى تألّفت واجتمعت الأصول الأربعمائة المعروفة(٣) ، والتي شكّلت المجاميع الحديثية الأولى عند الشيعة الإمامية .

١٠ ـ وممّا تميزّت به مدرسة الإمام الصادق عليه السلام هو إنماء الفكر الإسلامي وتطويره من خلال التخصّص العلمي في مختلف فروع المعرفة الإسلامية ، وسوف نشير إلى هذه الميزة بالتفصيل .